الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
خاتمة 94
تنقيح المقال في علم الرجال ( ط . ق )
في دعائه صلّى اللّه عليه وآله نظر اللّه امرء سمع مقالتي فوعاها لكفاه شرفا وفخرا وعلى صاحبه تصحيح النّية واخلاصها وتطهير القلب من اغراض الدّنيا الدنيّة وادناسها كحبّ الرّياسة ونحوها فانّ الأعمال بالنّيات وليكن أكبر همّه نشر الحديث والتّبليغ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وائمّة الهدى عليهم السّلام وإذ قد عرفت ذلك فهنا مقامات % [ المقام ] الأوّل في اهليّة التّحمل وفيه مطالب الأوّل انّه لا ريب ولا اشكال في اعتبار العقل والتميز فيمن تحمّل بالسّماع وما في معناه ليتحقّق فيه معناه والمراد بالتميز هنا على ما في البداية ان يفرّق بين الحديث الّذى هو بصدد روايته وغيره ان سمعه في أصل مصحّح والّا اعتبر مع ذلك ضبطه ثم قال وفسّره بعضهم بفرقه بين البقرة والدابّة والحمار وأشباه ذلك بحيث يميّز أدنى تميز والأوّل اصحّ ثم قال ويحترز بتحمّله بالسّماع عمّا لو كان بنحو الإجازة فانّه لا يعتبر فيه ذلك كما سيأتي انشاء اللّه تعالى ثمّ قال والمراد بما في معنى السّماع القراءة على الشّيخ ونحوها انتهى وما ذكره موجّه الثّانى انّه لا يشترط في صحّة تحمّل الحديث باقسامه الإسلام ولا الإيمان ولا البلوغ ولا العدالة فلو تحمّله كافرا أو منافقا أو صغيرا أو فاسقا وادّاه في حال استجماعه للاسلام والإيمان والبلوغ والعدالة قبل كما صرّح بذلك جمع بل لا خلاف في ذلك بنقل ولا اشكال يحتمل لما مرّ تحقيقه في الأمر الثّانى من الأمرين المذيل بهما الجهة الأولى من الفصل الرّابع من انّ المعتبر في شرائط الراوي هو حال الأداء لا حال التحمّل وقد اتّفق التحمّل كافرا والأداء مسلما للصّحابة كرواية جبير بن مطعم حيث سمع النّبى صلّى اللّه عليه وآله يقرأ في المغرب بالطّور وكان قد جاء في فداء أسارى بدر فتحمّله كافرا ثم رواه بعد اسلامه وكل رؤيته له صلّى اللّه عليه وآله واقفا بعرفة قبل الهجرة ورواية أبي سفيان في حديثه مع هرقل وغيرها وقد اتّفق النّاس كما في البداية على رواية جماعة من الصّحابة عن النّبى صلى اللّه عليه وآله قبل البلوغ كالحسنين عليهما السّلام فقد كان سنّ الحسن ( ع ) عند رحلة النّبى ( ص ) نحو الثمان سنين والحسين ( ع ) نحو السّبع سنين وكعبد اللّه بن العبّاس وعبد اللّه بن الزّبير والنّعمان بن بشير والسّائب بن يزيد والمسوّر بن مخزمة وغيرهم حيث تحملوا جملة من الرّوايات في حال الصّغر وقبل الفقهاء رض عنهم روايتهم من غير فرق بين ما تحمّلوه قبل البلوغ وبعده ولم تزل النّاس يسمّعون الصّبيان ويحضرونهم مجالس التحديث ويعتدّون بروايتهم لذلك بعد البلوغ ونقل في البداية عن شاذّ اشتراط البلوغ في اهليّة التّحمل وهو مردود بعدم الدّليل عليه واصالة عدم الإشتراط تدفعه ثم انّه كما لا يشترط البلوغ في اهليّة السّماع فكذا لا تحديد لسنّ من يتحمّل بعد كون المدار على التميز المختلف باختلاف الأشخاص وفي البداية انّ تحديد قوم سنّهم المسوغ بعشر سنين أو خمس سنين أو اربع ونحوه خطأ لاختلاف النّاس في مراتب الفهم والتّميز فمن فهم الخطاب وميّز ما يسمعه صح سماعه وإن كان دون خمس ومن لم يكن كك لم يصّح وان كان ابن خمسين وقد ذكر الشّيخ ره الفاضل تقّى الدّين الحسن بن داود انّ صاحبه ورفيقه السيّد غياث بن طاووس اشتغل بالكتابة واستغنى عن المعلّم وعمره أربع سنين وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال رايت صبيا ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ في القران ونظر في الرأي غير انّه إذا جاع بكى وقال أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد الإصفهانى انّى حفظت القران ولى خمس سنين وحملت إلى ابن المقرى لأستمع منه ولي أربع سنين فقال بعض الحاضرين لا تستمعوا له فيما قرئ فانّه صغير فقال لي ابن المقرى اقرأ سورة الكافرين فقرأتها فقال اقرأ سورة التكوير فقرأتها فقال لي غيره اقرأ سورة والمرسلات فقرأتها ولم اغلط فيها فقال ابن المقرى اسمعوا له والعهدة علىّ انتهى ولا يخفى عليك انّ الأخير دلّ على عدم اعتبار البلوغ في الأداء أيضا فضلا عن التحمّل ولا نقول به وقد صدر من محدّثى العامّة في تحديد السّن أقوال واهية فعن ابن خلّاد انّ حدّه إذا بلغ خمسين سنة لأنها انتها الكهولة وفيها مجتمع الأشدّ قال ولا ينكر عند الأربعين لأنّها حدّ الاستواء ومنتهى الكمال وعندها ينتهى عزم الإنسان وقوّته ويتوفّر عقله ويجود رأيه وردّ باجماع السّلف والخلف على نشر الأحاديث قبل البلوغ إلى هذا السنّ وشبهه وكما لا حدّ في الابتداء فكذا لا حدّ في الانتهاء فيصحّ تحملّ الحديث ونقله لمن طعن في السّن غايته ما دامت قواه مستقيمة نعم ينبغي الإمساك على التّحديث لمن خشي التّخليط لهرم أو خرف أو عمى حذرا من الوقوع فيما لا يجوز وضبطه ابن خلّاد بالثّمانين وردّ أيضا باجماع السّلف والخلف على السّماع والاستماع ممّن تجاوزها من الشّيوخ الثّقاة المتبحّرين الثالث انّه لا يشترط في المروى عنه ان يكون أكبر من الرّاوى سنّا ولا رتبة وقدرا وعلما بل يجوزان يروى الكبير عن الصّغير بعد اتّصافه بصفات الرّاوى كما صرّح بذلك جمع بل لا شبهة فيه ولا ريب لأصالة عدم الإشتراط وقد اتّفق ذلك كثيرا للصّحابة ممّن دونهم من التّابعين والفقهاء وقد مرّ في المقام الأوّل من الفصل الخامس عنوان رواية الأكابر عن الأصاغر وفي البداية انّ الغرض من هذا النّوع ان لا يظنّ بناء على الغالب من كون المروى أكبر بأحد الأمور دابا فيجهل بذلك منزلتهما وقد قال النبىّ ( ص ) أمرنا ان ننزّل النّاس منازلهم المقام الثاني في طرق التحمّل للحديث وهي سبعة عند جمع وثمانية عند آخرين من دون نزاع معنوي فانّ من عدها سبعة ادرج الوصيّة في الأعلام وذيّله بها ومن عدّها ثمانية عدّ الوصيّة قسما مستقلا وكيف كان فاوّلها السّماع من لفظ الشّيخ وهو المروى عنه وفيه مطالب الأوّل انّ هذا الطريق أعلى طرق التّحمل وارفع اقسامه عند جمهور المحدّثين كما في البداية وغيره قال لأنّ الشّيخ اعرف بوجوه ضبط الحديث وتاديته ولأنّه خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسفيره إلى امّته والأخذ منه كالأحد منه ( ص ) ولأنّ النبىّ ( ص ) اخبر النّاس أولا واسمعهم ما جاء به والتّقرير على ما جرى بحضرته أولى ولأنّ السّامع اربط جاشا وأوعى قلبا وشغل القلب وتوزّع الفكر إلى القارى اسرع وفي صحيحة عبد اللّه بن سنان قال قلت لأبيعبد اللّه عليه السّلم يجيئني القوم فيسمعون منّى حديثكم فاضجر ولا أقوى قال فاقرء عليهم من اوّله حديثا ومن وسطه حديثا ومن اخره حديثا فعدوله عليه السّلم إلى قراءة هذه الأحاديث مع العجز يدلّ على اولويّته على قراءة الرّاوى والّا لأمر بها انتهى وأقول في دلالة الأخير تامّل لا يخفى الثاني انّ هذا القسم على وجوه أحدها ان يقرئها الشّيخ من كتاب مصحّح على خصوص الرّاوى عنه بان يكون هو المخاطب الملقى اليه الكلام وثانيها قرائته منه مع كون الرّاوى أحد المخاطبين وثالثها قرائته منه كون الخطاب إلى غير الرّاوى عنه فيكون الرّاوى عنه مستمعا أو سامعا صرفا والرابع والخامس والسّادس ما ذكر مع كون قرائته من حفظه وقد قيل انّ أعلى هذه الوجوه الأوّل ثم الثّانى وهكذا على ترتيب الذّكر وقد علّل ذلك بقلّة احتمال الخطأ في الأوّل بالنّسبة إلى غيره لمكانه من المحافظة بالذّهول والنّسيان بالقراءة من الحفظ بخلافه في القراءة من الكتاب وعروضه من البصر المختص بالقراءة من الكتاب وان كان ممكنا الّا انّه ابعد من نحو النّسيان المختصّ بالقراءة من الحفظ وكذا قلّة اعتناء السّامع بل المستمع الخارج عن الخطاب بل الداخل فيه ممّن اختصّ به الثالث انّهم صرّحوا بانّ المتحمل بالسماع أو الاستماع من الشّيخ إذا أراد ان يروى ذلك الحديث المسموع لغيره يقول سمعت فلانا أو حدث فلان أو حدّثنى أو حدّثنا أو أخبرنا أو أنبأنا أو روى أو ذكر لنا أو سمعته يروى أو يحدّث أو يخبر أو نحو ذلك وقد وقع الخلاف في تعيين اعلا العبارات في تأدية المسموع على قولين أحدهما ما عن الأكثر من انّ أعلاها هو قول سمعت فلانا يقول